محمد كرد علي
298
خطط الشام
من العربية والإفرنجية كعاداتهم وأخلاقهم . وأثبت ابن هذا الصقع أنه ما استطاع أن يتخلى عن القديم برمته ، ولا استعد لأن يقتبس الجميل من الجديد بجملته . واللبناني أكثر من غيره من سكان هذا القطر اقتصادا وتؤدة ، ومعرفة بأساليب الحياة ، وبعد همم ، وشدة حذر . وهو نظيف لا كابن الجبال الأخرى ، وفي مسكنه وزراعته وصنائعه شيء من النظام . وقد تبيت في بيت الفقير منهم في إحدى المزارع الحقيرة ، ولا تستنكف من مؤاكلته ، ولا تأنف من النوم في فراشه ، والجلوس على مقاعده ، والاتكاء إلى وسادته . فالزعامة الزمنية من قبل عند غير المسيحيين ، والرياسة الدينية عند المسيحيين ، كانتا بين اللبنانيين على أتمهما لسهولة تسلط الزعيم أو الرئيس الروحي على رعاياه ، لضيق الرقعة التي يمتد عليها نفوذه . وقد استفاد ابن الجبل من هذه الزعامة ترتيبا ونظاما على الجملة ، وولد فيه حب التضامن والصدق بما يلقنه إياه الشيخ أو الكاهن ، وربط الناس بقيود يصعب التفلت منها بعض الصعوبة وهذا أقرب إلى النفع من فوضى تضرب أطنابها بين سكان الجبال الأخرى ، وجهالة ممتدة الرواق على الكبار والصغار لا تدري متى ينقشع ظلامها . وقد اضطر السكان أن يقلد بعضهم بعضا في باب الأخذ بأسباب الترقي والتعليم . وكان للموارنة التقدم ثم لمن يليهم من الروم والكاثوليك ، ثم يأتي الدروز فالسنة فالشيعة . فقدت عادات ليست بقليلة من الجبل ومما فقد أو كاد لباس الفلاحين وهي العمائم والسراويل والعباءات ، ولا سيما من القرى التي هي مصطاف البيروتيين والطرابلسيين والمصريين ، ولباس جمهور عظيم منهم الآن هو اللباس الغربي ، والقبعة الإفرنجية شائعة الاستعمال في النساء والرجال ، ولا سيما عند من تعلموا التعليم الغربي في مدارس التبشير في بيروت وما إليها من القرى والمدن . والقبعة اليوم تهزم الطربوش والعمامة والكوفية والعقال أمامها ، كما تنهزم المدنية الشرقية أمام المدنية الغربية طوعا أو كرها ، وربما كان لحالة لبنان السياسية مؤخرا دخل كبير في هذا التمثل السريع . والمغلوب أبدا مولع بشعار الغالب . وكل ما قام به اللبناني من اقتباس التمدن قبل هذا العهد كان مقدمة إلى هذه النتيجة . ولولا أن الهجرة نخرت عظام اللبنانيين ،